ظلت الغالبية الساحقة من الشعب السعودي لفترة طويلة تقف في الوسط ــ بالمعنى التوصيفي للمواقف السياسية ــ من التيارات السياسية المختلفة التي كانت تنتشر في أغلب البلاد العربية ..
وهذا الموقف كان لأسباب كثيرة منها :
ــ مكانة المملكة العربية السعودية الدينية ، باعتبارها مهبط الوحي ، ومنبع الإسلام ،وبلاد الحرمين الشريفين ، وما يوجبه ذلك من التزام عميق بالوسطية التي حضّ عليها الشارع الحكيم .
ــ السياسة العامة للحكومة السعودية .. التي ظلت دائما تتمسك بالوقوف في هذه المنطقة الشائكة من مناطق الفعل السياسي .
ــ عدم الاهتمام الفعلي وأحيانا اللامبالاة من أغلبية المواطنين السعوديين بالحديث أو التعبير عن مواقفهم السياسية لأسباب بعضها له علاقة بمخاوف ــ حقيقية أو وهمية ــ من المشاركة وإبداء الرأي ، وبعضها له علاقة بما يمكن أن نطلق عليه نبذ السياسة وأوجاعها في دولة الرخاء أو الطفرة التي كانت قائمة حتى بداية التسعينات وهذا يصنّف هؤلاء بشكل مباشر في خانة الوسطيين .
ــ ما استقرّ في الوجدان الجمعي للأغلبية الصامتة من أن الحكم في بلادنا وريث " وثيقة العهد " الشهيرة بين الإمام محمد بن سعود ،والشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وفحواها أن هذه الدولة حامية للشعائر الإسلامية ،وراعية للمسلمين . وبهذا تنتفي أية رغبة في منازعة الحكومة ولايتها أو صلاحياتها ،خصوصا وأن هذه الأغلبية الساحقة من "المسلمين السنة "، وأيضا لأن الأفعال قاربت الأقوال الحكومية على وجه الإجمال برغم كثير من القصور الذي لا يسلم منه بشر أو نظام مستقرّ ، بله أن يكون هذا النظام في محيط الصراعات الشرق أوسطية ، وتداعياتها .
ــ الأمية السياسية .
ــ وهناك أسباب أخرى ..
ولذلك فإن التمسك بمنطقة الوسط كان خيارا أصيلا ومبررا ــ شرعا وعقلا وواقعا ــ في ظروف المملكة العربية السعودية .
ولكن فجأة وبدون استعداد ــ كالعادة ــ وحتى بدون مقدمات ــ إثر العام 90بشكل موارب ، وبعد أحداث 11 سبتمبر وغزو العراق بشكل فجّ وصريح ومعلن ــ أصبح مطلوباً من السعوديين حكومة وشعبا أن يقاتلوا بضراوة وعلى جبهات متعددة داخليا ، وإقليميا ، لإثبات صواب وقوفهم في منطقة (الوسط السياسي ) وما تسميه الأدبيات الصحفية عندنا بـ ( الاعتدال أو الاتزان )
وفي الأحوال الظاهرية يبدو أن الدفاع عن منطقة الوسط هو من أسهل الأمور .. فيكفي أن تكون محايدا لتربح رضا الجميع ..
ولكن الأمر هنا ليس بهذه البساطة .. إذ يعني الوقوف في الوسط في السياسة ــ فيما يعنيه ــ أنك تقف في مواجهة الآخرين جميعا سواءً كانوا في اليمين أو اليسار .. وليس مجرد وقوف على الحياد كما هو شأن سويسرا مثلا ..
فمن ناحية تستقطب هذه المنطقة من مناطق العمل السياسي ــ عادة ــ أغلبية الناس ، لأن الطبيعة البشرية تنحو نحو الاعتدال في الظروف والأحوال العادية ، وإنما تشتطّ أكثر في الأحوال التي تشعر بأنها مهدّدة فتأخذ أحد الطرفين يمينا أو يسارا .. وما دونهما قربا أو بعدا من منطقة الوسط .. ولهذا فإن الغالبية التي تتمسك بهذه المنطقة هي غالبية ساكنة ومسالمة ، وليست ناشطة سياسيا ، بينما الآخرون في قمّة التوهج والاستعداد للقتال ..
ومن ناحية ثانية .. فإن المتقاتلين على الأطراف ــ في العادة ولأغراض دعائية ــ يصورون الأمر وكأن الغالبية في الوسط لصالحهم ، ولهذا فإما أن تؤيدهم ــ أو تسكت عنهم على الأقل ــ وإلا فإنك ستكون العدو الجديد وربما البديل ، لأنهم في هذه الحالة يقاتلون في سبيل صيد ثمين .. هي ( الغالبية البشرية) .
يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق